عماد الدين خليل
106
دراسة في السيرة
الإرادة البشرية بالمشيئة الإلهية - خلال الحدث - قبلية ولا بعدية . . وإنما تسير الاثنتان في انسجام رائع ، لأن هذه من تلك ولأن الإنسان في أصغر جزئيات الحركة وفي أكبرها إنما ينفذ قدر اللّه وناموسه في الأرض ، في مدى الحرية التي أتيحت له . أما أن يجيء الدعاء والتوجه قبل التخطيط فحسب ، أو بعد التنفيذ فحسب ، فهو من قبيل الثنائيات التي ترفضها مبادئ السماء أشد الرفض لأنها تفصل بين اللّه والإنسان ، وتقسم حظ الاثنين في حركة التاريخ بما لا يتفق أساسا والسنن الكبرى . إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم هيأ الأسباب ( الإرادية ) الكاملة لنجاح الحركة وهو ينظر إلى اللّه ، ووضع خطواته الأولى على الدرب وهو يدعو اللّه . . وما لبثت الأسباب أن أتت أكلها ، والخطوات أن انتهت إلى هدفها ، وظل الرسول ينظر إلى اللّه ويدعوه . استغرق ( هيكل ) الهجرة زمنا طويلا . . حمل الرسول وأصحابه معاولهم وبدأوا يحفرون الأسس من أجل أن يستقيم البناء . إن الإسلام جاء لكي يعبر عن وجوده في عالمنا من خلال دوائر ثلاث ، يتداخل بعضها في بعض ، وتتسع صوب الخارج لكي تشمل مزيدا من المساحات : دائرة الإنسان ، فالدولة ، فالحضارة . ولقد اجتاز الإسلام في مكة دائرة الإنسان ، ثم ما لبثت العوائق السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية أن صدته عن المضي في الطريق صوب الدائرة الثانية حيث الدولة ، لأنه بلا دولة ستظل دائرة الإنسان ، التي هي أشبه بنواة لا يحميها جدار ، ستظل مفتوحة على الخارج المضاد بكل أثقاله وضغوطه وإمكاناته المادية والروحية ، ولن يستطيع الإنسان ( الفرد ) أو ( الجماعة ) التي لا تحميها ( دولة ) أن يمارسا مهمتهما حتى النهاية ، سيما إذا كانت قيمهما وأخلاقياتهما تمثلان رفضا حاسما لقيم الواقع الخارجي والتجربة المعاشة ، ولا بد إذن من إيجاد الأرضية الصالحة التي يتحرك عليها المسلم ، قبل أن تسحقه الظروف الخارجية أو تنحرف به عن الطريق ، وليست هذه الأرضية سوى الدائرة الثانية ، وليست هذه الدائرة سوى الدولة التي كان على المسلمين أن يقيموها وإلا ضاعوا ! ! وهجرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم تبدأ منذ اللحظات التي أدرك فيها أن مكة لا تصلح لقيام الدولة وأن واديها الذي تحاصره الجبال ، وكعبتها التي تعج بالأوثان ، لا